وهبة الزحيلي
273
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
القرآن ، ينذركم بالعقاب إن عصيتم . وقيل : النذير : الشيب . وقال الرازي : أي آتيناكم عقولا ، وأرسلنا إليكم من يؤيد المعقول بالدليل المنقول . وبه يتبين أن اللّه تعالى احتج عليهم بالعمر والرسل ؛ لقوله تعالى : وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ ، قالَ : إِنَّكُمْ ماكِثُونَ ، لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ [ الزخرف 43 / 77 - 78 ] وقوله سبحانه : كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها : أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ؟ قالُوا : بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ ، فَكَذَّبْنا وَقُلْنا : ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ [ الملك 67 / 8 - 9 ] . فَذُوقُوا فَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ أي فذوقوا عذاب جهنم ، جزاء على مخالفتكم للأنبياء في الدنيا ، فليس لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال ، وهو تهكم بصيغة الأمر مثل قوله : ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [ الدخان 44 / 49 ] . ثم أخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع الأمور ومنها أحوالهم ، فقال : إِنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي إن اللّه يعلم كل أمر خفي في السماوات والأرض ، ومنها أعمال العباد ، لا تخفى منها خافية ، فلو ردّكم إلى الدنيا لم تعملوا صالحا ، كما قال سبحانه : وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الأنعام 6 / 28 ] وذلك لأنه عليم بما تنطوي عليه الضمائر ، وبما تكنّه السرائر ، من المعتقدات والظنون وحديث النفس ، وسيجازي كل عامل بعمله . وفيه إشارة إلى أنه لو أعادهم إلى الدنيا لم يعدلوا عن الكفر أبدا . وقوله : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ تعليل لشمول علمه .